القلق والطمأنة: فهم أعمق
تخيل أن صديقك أغلق باب السيارة أثناء وجودك معه، وبعد خطوات قليلة، يسألك: "هل أنت متأكد أني قفلت الباب؟" فترد عليه: "نعم، أغلقته أمامي." وبعد دقيقتين، يتساءل مرة أخرى: "هل أنت متأكد؟" فتجيب: "نعم، متأكد." ومع مرور الوقت، يبدأ في التساؤل: "ماذا لو لم أغلقه فعلاً؟" هنا، غالباً ما سنقوم بطمأنته مجددًا، لأننا نهتم به ولا نريد أن نراه متوتراً. نريد أن نقول له: "اطمئن، كل شيء بخير." لكن ماذا لو كانت هذه الطمأنة، رغم نواياها الطيبة، لا تنهي القلق فعلاً؟
الوسواس القهري ليس دائماً كما نراه في الأفلام، مثل شخص يغسل يديه مرارًا أو يتأكد من الأبواب بشكل مستمر. أحيانًا، يكون أقل وضوحًا، مثل سؤال يتكرر أو مراجعة موقف حدث قبل ساعات. قد يشعر الشخص أيضًا بالقلق من أنه لم يؤذِ أحدًا أو لم يرتكب خطأ. المشكلة هنا أن الشخص غالبًا لا يبحث عن إجابة جديدة، بل عن شعور باليقين. وهذا ما يجعل الطمأنة تبدو كحل مؤقت.
وفقًا للمؤسسة الدولية للوسواس القهري، قد يصبح طلب الطمأنة نفسه سلوكًا قهريًا، حيث يستخدم الشخص الأسئلة المتكررة لتخفيف القلق الناتج عن الوسواس. وقد تؤدي الطمأنة المتكررة إلى استمرار دائرة الوسواس بدلاً من كسرها. وهذه الدائرة تتكون من:
- يبدأ القلق.
- يحاول الشخص التخلص من القلق.
- يسأل أحدًا: "هل أنت متأكد أني ما أخطأت؟"
- يحصل على الطمأنة.
- يرتاح.
- ثم يعود الشك: "لكن ماذا لو…؟"
المفارقة هنا هي أن الطمأنة نجحت في شيء واحد: خففت القلق في تلك اللحظة. لكن الدماغ يتعلم أن الطريقة الوحيدة للتخلص من هذا الشعور المزعج هي من خلال السؤال المتكرر. ومع مرور الوقت، قد يصبح الشخص أكثر اعتمادًا على الطمأنة، ليس لأنه يريد إزعاج الآخرين، ولكن لأنه يحاول بشدة التخلص من شعور مزعج لا يعرف كيف يتعامل معه.
كيف نتعامل مع القلق؟
هل يجب أن نتوقف عن قول "اطمئن"؟ ليس بالضرورة. فليس كل طمأنة سيئة، ولا يجب أن نعامل الشخص وكأنه يجب أن يواجه معاناته بمفرده. إذا جاءك شخص حزين أو خائف، فمن الطبيعي أن تقول له: "أنا معك، أفهم أن هذا صعب، خذ وقتك." لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الطمأنة حلاً متكرراً للشك الوسواسي، خاصة عندما نلاحظ أن الشخص يحتاج إلى إجابة أخرى، ثم أخرى، ثم يعود إلى السؤال نفسه بطريقة مختلفة.
ربما لا يحتاج الشخص إلى إجابة جديدة، بل إلى شخص يساعده على تحمل وجود السؤال دون الحاجة إلى حسمه كل مرة. لا تقل له: "تجاهل الوسواس." وفي المقابل، لا نريد أن نقع في خطأ آخر، وهو أن نقول: "هذا وسواس. تجاهله." الأمر ليس بهذه السهولة، فالشخص الذي يعيش مع الوسواس القهري لا يستطيع ببساطة أن يضغط زر إيقاف لأفكاره. تقليل معاناته قد يجعله يشعر بأنه غير مفهوم أو أنه يبالغ.
الإسعاف النفسي الأولي
الإسعاف النفسي الأولي يبدأ من مكان مختلف: الاستماع. يجب أن تعطي الشخص مساحة للتحدث دون حكم، وأن تعترف بأن ما يشعر به حقيقي ومتعب، حتى لو كنت تعرف أن الفكرة مرتبطة بالوسواس. ثم تساعده، عندما يحتاج، على الوصول إلى الدعم المتخصص.
ماذا أقول له إذن؟ بدلاً من الدخول في تحقيق طويل لإثبات أنه لم يخطئ، يمكنك أن تقول شيئًا مثل: "أعرف أنك تريد التأكد، وأفهم أن هذا الشك متعبك. لكن لاحظت أننا كلما أجبنا على السؤال، يعود لنا سؤال آخر. يمكننا أن نجرب تحمل بعض عدم اليقين هذه المرة، أنا معك." بهذه الطريقة، لم تقل له: "مشكلتك سخيفة"، ولم تقل: "أكيد لم يحدث شيء"، ولم تتركه وحده. بل أكدت له أنك موجود، لكنك لن تساعد الوسواس في الحصول على يقين جديد كل مرة.
دور الإسعاف النفسي الأولي مهم، حيث لا يُطلب من الشخص الذي يقدم الدعم أن يشخص الحالة أو يعالجها، بل أن يستمع، ويتعامل مع الشخص باحترام ودون حكم، وأن يأخذ معاناته بجدية، ويشجعه على الحصول على مساعدة متخصصة عندما يحتاج إليها.
الوسواس القهري حالة قابلة للعلاج. من العلاجات الأساسية له هو العلاج السلوكي المعرفي، وخصوصًا التعرض ومنع الاستجابة (ERP)، الذي يساعد الشخص تدريجيًا على مواجهة الأفكار والمواقف المسببة للقلق دون اللجوء إلى السلوك القهري المعتاد.
ربما أفضل مساعدة ليست أن تجيب، بل أن تقول لشخص متوتر: "لن أعطيك إجابة تطمئنك." لكن الفكرة ليست أن نكون قاسين، بل أن نكون حاضرين دون أن نصبح جزءًا من دائرة الوسواس. لذا، بدلاً من قول: "أكيد لم يحدث شيء، متأكد 100%"، يمكن أن نقول: "أعرف أنك تريد أن تكون متأكدًا تمامًا، لكن يمكننا أن نتحمل بعض عدم اليقين هذه المرة." لأن الحياة نفسها لا تعطينا يقينًا بنسبة 100%.
التعافي من الوسواس لا يعني أن الإنسان لن يشعر بالشك أو القلق مرة أخرى، بل أن يتعلم أنه يستطيع أن يشعر بالشك دون أن يضطر في كل مرة إلى التحقق أو السؤال أو طلب الطمأنة. ربما في المرة القادمة التي يقول لك فيها شخص: "طمّني"، لا تتسرع في إعطائه الإجابة. توقف لحظة واسأل نفسك: هل هو يحتاج فعلاً إلى معلومة، أم أنه يحاول التخلص من القلق الذي سببه الوسواس؟ لأن الفرق بين الاثنين قد يبدو صغيرًا جدًا، لكن بالنسبة لشخص يعيش داخل دائرة الوسواس، قد يكون فرقًا كبيرًا. وأحيانًا، أفضل شيء يمكن أن تقدمه لشخص تحبه ليس أن تقول له: "اطمئن"، بل أن تقول: "أنا معك، حتى لو ما قدرنا نكون متأكدين تمامًا."
Comments
Be the first to comment!
Add a Comment